الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

632

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

وهذه المحبة تنشأ من مطالعة منة اللّه عليه من نعمه الظاهرة والباطنة ، فبقدر مطالعة ذلك تكون قوة المحبة . ومن أعظم مطالعة منة اللّه على عبده منة تؤهله لمحبته ومعرفته ومتابعة حبيبه - صلى اللّه عليه وسلم - ، وأصل هذا نور يقذفه اللّه تعالى في قلب ذلك العبد ، فإذا دار ذلك النور أشرقت له ذاته ، فرأى في نفسه وما أهلت له من الكمالات والمحاسن ، فعلت به همته ، وقويت عزيمته ، وانقشعت عنه ظلمات نفسه وطبعه ، لأن النور والظلمة لا يجتمعان إلا ويطرح أحدهما الآخر ، فوقعت الروح حينئذ بين الهيبة والأنس إلى الحبيب الأول . نقل فؤادك حيث شئت من الهوى * ما الحب إلا للحبيب الأول كم منزل في الأرض يألفه الفتى * وحنينه أبدا لأول منزل وبحسب هذا الاتباع توجب المحبة والمحبوبية معا ، ولا يتم الأمر إلا بهما ، فليس الشأن أن تحب اللّه ، بل الشأن أن يحبك اللّه ، ولا يحبك إلا إذا اتبعت حبيبه ظاهرا وباطنا ، وصدقته خبرا ، وأطعته أمرا ، وأجبته دعوة ، وآثرته طوعا ، وفنيت عن حكم غيره بحكمه ، وعن محبة غيره من الخلق وعن طاعة غيره بطاعته ، وإن لم تكن كذلك فلا تتعن ، فلست على شيء . وتأمل قوله تعالى : فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ « 1 » أي الشأن في أن اللّه تعالى يحبكم ، لا في أنكم تحبونه ، هذا لا ينالونه إلا باتباع الحبيب . وقال المحاسبي في كتاب « القصد والرجوع » : وعلامة محبة العبد للّه عز وجل اتباع مرضاة اللّه ، والتمسك بسنن رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - ، فإذا ذاق العبد حلاوة الإيمان ، ووجد طعمه ، ظهرت ثمرة ذلك على جوارحه ولسانه ، فاستحلى اللسان ذكر اللّه تعالى وما والاه ، وأسرعت الجوارح إلى طاعة اللّه ، فحينئذ يدخل حب الإيمان في القلب كما يدخل حب الماء البارد الشديد برده في اليوم الشديد الحر للظمآن الشديد عطشه ، فيرتفع عنه تعب الطاعة لاستلذاذه بها ، بل تبقى الطاعات غذاء لقلبه وسرورا له ، وقرة عين في حقه ونعيما لروحه ، يلتذ بها أعظم من اللذات الجسمانية ، فلا يجد في أوراد العبادة كلفة .

--> ( 1 ) سورة آل عمران : 31 .